ابن المقفع
331
آثار ابن المقفع
إن للسلطان المقسط حقا لا يصلح لخاصة ولا عامة امر إلا بإرادته ، فذو اللب حقيق أن يخلص لهم النصيحة ويبذل لهم الطاعة ويكتم سرهم ويزين سيرتهم ويذبّ بلسانه ويده عنهم ، ويتوخى مرضاتهم ويكون من امره المواتاة لهم والإيثار لأهوائهم ورأيهم على هواه ويقدر الأمور على موافقتهم وان كان ذلك له مخالفا . وان يكون منه الجد في المخالفة لمن جانبهم وجهل حقهم ولا يواصل من الناس الا من لا تباعد مواصلته إياه منهم ، ولا تحمله عداوة أحد له ولا اضرار به على الاضطغان عليهم ولا مواتاة أحد على الاستخفاف بشيء من أمورهم والانتقاص لشيء من حقهم ، ولا يكتمهم شيئا من نصيحتهم ولا يتثاقل عن شيء من طاعتهم ولا يبطر إذا أكرموه ولا يجترىء عليهم إذا قرّبوه ، ولا يطغى إذا سلطوه ولا يلحف إذا سألهم ولا يدخل عليهم المؤونة ولا يستثقل ما حملوه ولا يغتر بهم إذا رضوا عنه ولا يتغير لهم إذا سخطوا عليه وان يحمدهم على ما أصاب من خير منهم أو من غيرهم فإنه لا يقدر أحد على أن يصيبه بخير إلا بدفاع اللّه عنه بهم . مما يدل على علم العالم معرفته بما يدرك من الأمور وإمساكه عما لا يدرك وتزيينه نفسه بالمكارم وظهور علمه للناس من غير أن يظهر منه فخر ولا عجب ، ومعرفته بزمانه الذي هو فيه وبصره بالناس وأخذه بالقسط وإرشاده المسترشد وحسن مخالفته خلطاءه ، وتسويته بين قلبه ولسانه وتحريه العدل في كل امر ورحب ذرعه فيما نابه واحتجاجه بالحجج فيما عمل وحسن تبصيره . من أراد ان يبصر شيئا من علم الآخرة فبالعلم الذي به يعرف ذلك . ومن أراد أن يبصر شيئا من علم الدنيا فبالاشياء التي هي تدل عليه . ليكن المرء سؤولا وليكن فصولا بين الحق والباطل ، وليكن صدوقا ليؤمن على ما قال ، وليكن ذا عهد ليوفي له بعهده وليكن شكورا ليستوجب الزيادة ، وليكن جوادا ليكون للخير اهلا وليكن رحيما